الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة ليس من "قلب الذيب": المؤرخ عميرة عليّة الصغيّر يكشف صفحات هامة من دعم ليبيا للمقاومة التونسية في الخمسينات

نشر في  29 أفريل 2020  (16:43)

الصورة من اليمين: ثلاثة من المناضلين بطرابلس

بقلم الأستاذ عميرة عليّة الصغيّر

ليس من "قلب الذيب"
الشعب الليبي في احتضان ودعم المقاومة التونسية (1952-1956) (الجزء الاول من 3 أجزاء)

تميّزت العلاقات بين الشعبين التونسي والليبي بالتضامن والتآزر في كل منعطفات تاريخ السيطرة الاستعمارية المعاصرة على البلدين تونس وليبيا اذ كان القطران ملجأً لآلاف المهجّرين من الاستعمار من هذا البلد أو ذاك وتحرّكت النّخّب وعامّة النّاس المرّات العديدة لنُصرة الإخوة ضد المستعمِرين الايطاليّين أو الفرنسيّين وسجّل التاريخ أسماء رموز كثيرة لذاك التّفاعل المقاوم شأن خليفة بن عسكر والحاج محمّد الكريكشي من ليبيا أو محمّد علي الحامي ومحمّد الدّغباجي من تونس.
وتعنى هذه الورقة بفصل من فصول ذاك التضامن العريق وتحديدًا سنوات 1952-1956 أي في تلك الفترة الحاسمة من الصّراع مع الاستعمار في تونس، ونتناول هنا النّقاط التالية:
- معوقات التضامن مع المقاومة و صعوباته،
- ليبيا: ملجأً للمضطهدين والمتتبّعين من الوطنيّين التونسيّين،
- ليبيا: قاعدة للدّستوريّين وللنّشاط الوطني التونسي،
- ليبيا: قاعدة خلفية للمقاومة المسلّحة التونسية: ساحة للتدريب والتّزوّد بالسّلاح ومنطلق لعمليات فدائيّة،

و يجدر التّنبيه في مستهل هذه الورقة إلى أنّ ما سنأتي به هنا هو إشارات أوّليّة فحسب لنشاط تضامني أعمق وأكبر، لم تسعفنا الآن، وللأسف، مصادرنا بالإحاطة به وإيفائه حقّه من التّدقيق والإضافة وعلى الرّغم من أنّنا استنجدنا بما هو مُتاح من مصادر أرشيفية وهي أساسا المصادر الفرنسيّة ( مراسلات المفوّضية الفرنسية بطرابلس مع الخارجية الفرنسية أو الإقامة العامة بتونس أو تقارير الاستعلامات الفرنسيّة) كذلك صحف الفترة وخاصة شهادات بعض المقاومين الذين لجؤوا إلى طرابلس في خمسينات القرن الماضي.

وحُرم الباحث من شهادات فاعلين كبار في ذاك التّواصل النضالي بين التونسيّين واللّيبيّين شأن شهادة المناضل علي الزليطني المسؤول الأوّل عن نشاط الوطنيين التّونسيّين في طرابلس سنوات 1952-1955 أو شهادة رفيقه وعضده الأوّل كذلك مراد بوخريص كما لم تُؤخذ شهادات رموز آخرين لتلك الفترة شأن شهادة المناضلين الدّستوريين الطاهر عميرة أو عامر المكني.

وفي فصل المقاومة اليوسفية حُرم المؤرخ من شهادة فاعل من الدّرجة الأولى وهو المرحوم عبد العزيز شوشان لكن أُسعفنا بالاطلاع على شهادات مقاومين آخرين جلّهم من الصّف الثاني نذكر منهم خاصّة القائد الطّاهر لسود (1911-1996) ومحمد الصّالح البراطلي وعلي بن سالم (كشك) وحمّادي غرس و السّاسي لسود وعمر الجلّولي وعبد الله العبعاب والهادي بن بشير العجيل والمناضل والرّجل الثاني في المعارضة اليوسفيّة حسين التريكي.

أمّا في الجانب اللّيبي فإنّ جهد جمع شهادات الضّالعين في ذاك الدّعم للمقاومة التونسيّة مازال لم يُنجز- إلى حدّ علمنا- وحتى من كتب في ذاك الفصل من الكفاح المشترك شأن الوطني الكبير الهادي إبراهيم المشيرقي أو رئيس وزراء ليبيا زمنذاك (1954-1957) مصطفى أحمد بن حليم لم يولُوا الجانب التضامني مع كفاح التّونسيّين الاهتمام الكافي.
ومهما كان شحّ المصادر فإنّ ما نملكه من معطيات يثبت جليّا إنّ ليبيا كانت فعلا في خمسينات القرن الماضي قاعدة خلفيّة للمقاومة في شمال إفريقيا عامّة وللتّونسيّين ثم الجزائريّين خاصة وذاك رغم الظروف الصعبة التي كانت تمرّ بها البلاد، لذاك سنتوقّف أوّلا عند الأوضاع السياسيّة في هذا القطر سنوات 1951 -1957.

* ليبيا في خمسينات القرن الماضي: معوّقات التّضامن مع المقاومة وصعوباته.

كانت ليبيا سنوات 1951-1957 كغيرها من بلدان واجهة الحرب العالمية الثانية تعاني من مخلّفات المعارك التي دارت على أرضها من دمار وألغام وخاصة من تدهور للوضع المعيشي لم يزده تتالي السنوات العجاف إلاّ عسرًا فتفاقمت البطالة وقلّت المواد الغذائية وارتفعت أسعارها على ندرتها.

أمّا على المستوى السياسي فرغم إعلان استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951 فإنها بقيت عمليا في تلك السنوات تحت السيطرة الإنجليزية ولم تستقرّ بعد هياكل دولتها الإتحادية الناشئة اذ كان التجاذب قائما ليس فقط بين الأحزاب الوطنية فيها بل كذلك بين حكومات الولايات الثلاث ( طرابلس وبرقة و فزّان) والحكومة الإتحادية بطرابلس.

لكنّ الأصعب بالنسبة لحكومة الإستقلال منذاك كان النفوذ الأجنبي في البلاد وخاصة النفوذ الانجليزي الذي حوّل ليبيا إلى شبه محميّة على رأسها الحاكم العسكري البريطاني بطرابلس وتحت مراقبة وعيون المخابرات الغربية انجليزية وفرنسية وأمريكية.

وقد شرح رئيس الحكومة اللّيبية آنذاك مصطفى بن حليم سنة 1954 الوضع في ليبيا لجمال عبد الناصر، الذي طلب منه تسهيل مرور السلاح للمقاومة الجزائرية والتونسية، قائلا: "أنت تعرف أنّ القوّات البريطانية منتشرة على طول ليبيا من طُبرق إلى غرب طرابلس والموظفين الأنجليز يسيطرون على مراكز حساسة، خصوصا في شرطة ولاية طرابلس، وفرنسا لا تزال تحتل جنوب ليبيا ( فزّان) ولسفارتها في طرابلس جهاز مخابرات من الطّراز الأوّل ويرأسه " الكومندان نيزا" (Néza) وله أعوان وعيون منتشرة في طول البلاد وعرضها، وأنت تعرف أن علاقتنا مع فرنسا الآن في غاية التدهور بعدما أنذرناها في مذكرة رسمية وطالبناها بالجلاء عن فزّان (...) وبالرغم من هذه الظروف البالغة دقّة وحرجا ومخاطرة فإننا لن نتردّد بل ونرحّب بنقل السلاح إلى ثوار الجزائر تحت أنف الفرنسيّين وأنت تعرف تمام المعرفة إنّه لا يمكن لنا أن نرفض القيام بهذا العمل العربي المجيد" .
ويشرح رئيس الوزراء اللّيبي أكثر تلك المراقبة الأمنية التي كانت تعيشها بلاده موضّحا أنّ "ولاية طرابلس التي يتولّى قيادة الشرطة فيها "البريجادير جايلز" البريطاني وأغلب مراكز الشرطة الحسّاسة في أيدي ضباط بريطانيّين، ثم إذا تمكنت من التغلب على هذه الصعوبة فكيف العمل مع السفارة الفرنسية ومخابراتها ومخابرات السفارة البريطانية الشهيرة الخطيرة تحت إمرة "سيسيل جريتوريكس" ذي العلاقات والاتصالات بأغلب شخصيات طرابلس" . صحيح إنّ ليبيا كانت شاسعة المساحة لكن عدد سكّانها في خمسينات القرن الماضي كان لا يفوق المليون وثلاثمائة ألف نسمة ممّا ييسّر مراقبتهم.

* ليبيا ملجأً للمضطهدين والمتتبّعين من الوطنيّين التّونسيّين.

مثلت طرابلس طيلة الفترة الاستعمارية ملجأ للتونسيّين فرارا من العسف الاستعماري منذ حلوله سنة 1881 حيث هاجر اليها آنذاك أكثر من 120 ألف من أبناء العروش الثائرة واحتمى بها كذلك ثوار الودارنة أثناء الحرب العالمية الأولى (1915-1916) وثوار آخرون كثيرون وكانت الموجة الثالثة من اللاّجئين إليها سنوات 1952-1954 اثر حملة القمع التي استهدفت الوطنيّين التونسيّين وملاحقة العناصر المقاومة التي تورّطت خاصة في أعمال تخريب أو قتل في الجانب الفرنسي حيث لجأ إلى طرابلس أولئك المناضلون والمقاومون والتحق بهم آخرون فرّوا من السّجون الاستعمارية (خاصة سجناء الزندالة في باردو في 22 أوت 1953 أو السجن المدني بالعاصمة ) .

ويقدّر عدد التونسيّين الذين احتموا بطرابلس بداية من سنة 1952 بحوالي 200 شخص .وقع تهريبهم عن طريق شبكة من عناصر حزبية دستوريّة تواجدت مراكزها من تونس العاصمة مرورا بالساحل ووصولا إلى قابس ومدنين وخاصة بنقردان وتطاوين على الحدود وكذلك عبر البحر من جربة .
ومن العناصر التي يتردد ذكرها أكثر في عملية " تهريب" المناضلين إلى طرابلس سائق سيارة الأجرة المناضل الدستوري أصيل قابس العيساوي الشكّاي (1914-2005) والمقاوم أحمد لزرق (جليدي) والمختار الوريمّي (من جرجيس) وعمر الطوير و عائلتا الشنادلة وقريسيعة من بنقرادن وحسن قرّوز (من جربة) ويتولى أمر عبور الحدود التونسية – اللّيبية رجال عارفين بمسارب الصحراء ونقاط المراقبة من المتعاطفين مع المقاومة أو من متعاطي التهريب.

وبدخول اللاّجئ التراب اللّيبي يتولى أمره ليبيّون أو تونسيّون يوصلونه إلى مدينة طرابلس حيث يكون في إحاطة عناصر الخلية الدستوريّة أوّلهم المناضل محمّد النّايلي (من مطماطة) المكلّف بالتّثبّت في هويّة اللاّجئ ودوافع هروبه من تونس ثم يقع التّكفّل به من التنظيم الدستوري كما سنعود إليه لاحقا.
أمّا في الجانب الآخر من الحدود فنجد في مساعدة اللاجئين، إضافة لعناصر تونسيّة مستقرّة بطرابلس تتعامل مع الوطنيّين (خاصة من الفطايريّة أو التّجار)، دعائم من اللّيبيّين يسهّلون الاستقبال للاّجئين أو يكوّنون الأدلاّء لهم، نذكر منهم الشيخ التّايب مسعود، الضّارب قرب الحدود والذي كان يستقبل الدّاخلين إلى طرابلس ويستضيفهم.

وفي دوائر زوارة نجد مبروك الزناتي الذي كانت داره عبارة عن مركز رسمي بالنسبة للتّونسيّين الدّاخليّين إلى طرابلس والشيخ محمد العيساوي، شيخ المحاميد عن طريق ذهيبة وخبير المسالك الصحراويّة اللّيبي إِحمِد المحمُودي ...

ويلهج جلّ التّونسيّين الذين سجلت شهاداتهم حول معاملة اللّيبيّين لهم أثناء إقامتهم بطرابلس بالثناء من ذلك شهادة المناضل حمّادي غرس الذي يقول: "بصفة عامّة كان اللّيبيّون متعاطفين معنا ويقولون لنا " هذه بلادكم وأهلكم. المسؤولون يطالبوننا بالتستّر لتفادي انتقادات الأمريكان و الأنجليز خاصة وأنّ طرابلس كانت مدينة مفتوحة وكانت السفارة الفرنسية تتجسّس" ويؤكّد المناضل الآخر محمد صالح البراطلي رأي رفيقه السابق حين يشهد أنّ "اللّيبيّين في ذاك الزمان كانوا أروع ما يعرف في الدنيا كِرمُونا ودافعوا علينا" وهو الرّأي ذاته في إدلاء آخر له سنة 1992 يقول : " إنّ السّلط اللّيبيّة عمِلوا معانا أجلّ الإكرام، الله يرحم والديهم ويسمونّا المجاهدين. السلط اللّيبيّة ما قلقوناش، ما تعبوناش الّي يلزمُو جواز سفر يعملو له بسبُور، السّلط اللّيبيّة يعاملونا كضيوف كِرام" .

وهكذا استقبلت ليبيا أكثر من مائتي لاجئ سياسي تونسي طيلة فترة 1952-1957 نُورد منهم على سبيل الذّكر لا الحصر أسماء عزالدين عزّوز، يوسف العبيدي، الهادي بن عمر (من الذين دربّوا عسكريا في الشرق) ومن الدستور الجديد وقادته: علي الزلطيني، مْراد بوخريص، الطاهر عميرة، عامر المكني، محمد النايلي، محمد الصّالح بالحاج، محمود زهيوة ولاحقًا صالح بن يوسف والباهي الأدغم وحسين التريكي وعبد العزيز شوشان والحبيب بولعراس والقائد الطّاهر لسود وإبراهيم طوبال ومن المقاومين رضا بن عمّار، نور الدّين بن جميع، حمادي آغة، محمد صالح البراطلي، علي بن سالم، صالح الزرني، الطاهر المكّاوي، عبدالله العبعاب، الشاذلي قلاّلة، الطّاهر بن لخضر الغريبي ، الهادي لسود (أخو الطاهر لسود)،... وعناصر كمندوس فرحات حشاد الذين نعود إليهم لاحقا.
هؤلاء اللاّجئين سوف يقع استقطابهم من قبل مكتب الحزب الحرّ الدستوري الجديد في طرابلس كرديف للمقاومة في الداخل."
يتبع...